صناعة

تجارة

إظهار إعلانات

نادين البدر/ارقص لافكر

نشر منذ 11 سنين بواسطة Zayed

في المقهى دار نقاشنا حول الرقص:
- تعلمين، أعتقد أن الرقص الشرقي يحمل رموزاً مهينة للإنسانية...
أجبته:
- أنا أعتقد العكس. فالرقص الشرقي مثله مثل بقية الرقصات العالمية، فيه جمال وروحانية.
- ما أعنيه ترينه بوضوح في رقصات الشرقيات، كلها إيحاءات غرائزية... امرأة ترقص وسط رجال يتابعونها بشبق.
- لماذا أنت متحامل على راقصات الشرق؟
- الإساءة للموسيقى هي مأخذي الرئيسي عليهن... وليس لديهن ما يقدمنه للمجتمع سوى ثقافة تحريك الأرداف... وقد زاد الأمر بشاعة سمعة أخلاقهن.
- لا أحب أن أحكم على الجميع، لكن هناك بعض ممن أسأن إلى المهنة، فحولنها إلى طريق للقاء الأثرياء، بدلاً من الاستغراق في توحيد العقل والروح والأطراف، فلا تتحرك سوى قسمات وجوههن ونظراتهن المغرية البعيدة عن النص، حتى أنها لا تتماشى في الغالب مع الإيقاع الموسيقي، هن لم يعدن يستمعن إلى الموسيقى، بل تتمايل أجسادهن وتبقى أرواحهن بعيدة. ولن يكتمل الرقص دون حضور الروح والجسد في آن واحد على الحلبة، لكن بعض الراقصات لا يفعلن سوى البحث عن صيد ثمين قادم. لا بد هنا من الإشارة إلى دور عناصر معينة في تشويه الرقص الشرقي، مثل بعض أصحاب الملاهي الليلية، والقوادين الذين حولوا حلبات الأحاسيس إلى منصات نخاسة تعرض عليها النساء...
- أعتقد أنك تعطين الرقص الشرقي أكثر من حقه، فالعالم ابتدع رقصات تعتمد بالأساس على سمو ورقي العواطف كالتانجو والباليه والفالس، أما الرقص الشرقي فمنبعه مستمد من الشهوات والنزوات.. ولم يهتم المالك على مر التاريخ مطلقاً لتطابق مشاعر مملوكته وهي ترقص مع الموسيقى التي تسمعها. بل لقد اخترع الشرقيون رقصاتهم للتشبع برؤية أحب الأعضاء لديهم في جسد المرأة تتحرك وحيدة. الأرداف تهتز وحيدة، والصدر يهتز وحيداً. وهي تهتز وحيدة وسط مجموعة من الرجال. نعم، هذا هو الأصل.
كان أساس رقصنا الشرقي تحريك نقاط الإغراء لدى المرأة فقط. وإن افترضنا أنه كان رقصا راقيا، أفلا تعتقدين أن الراقصات ساهمن في ذلك التشويه؟ لماذا قبلن التلاعب بهذه المهنة المليئة بالمشاعر كما تقولين وحولنها إلى مهنة مشبوهة مليئة بالاستغلال والانحراف؟
- لكن مهما سيحاولن التغيير فالنظرة المجتمعية ستبقى واحدة تجاههن ومعممة على الجميع.
- هل تريدين أن تباركهن المجتمعات كما تبارك الفاعلات والمبدعات؟ هذا تطرف.
- ومن قال إن مجتمعاتنا تبارك النساء الفاعلات؟ إن تلك النظرة المجتمعية الفوقية لا تشمل الراقصات فقط، بل جميع النساء اللواتي يكسرن العرف أو التقليد، ثم هل تعتقد أن الانتقاد الذي يوجه اليوم إلى راقصة أكبر من ذلك الذي يطال محامية تطالب بحقوق غير تقليدية؟
- بالتأكيد.
- على العكس، إن الدعاوى المتشددة التي ترفع في المحاكم على الناشطة أكثر من تلك التي ترفع ضد الراقصة. في النهاية كلتاهما بنظر المتشددين قد خرجت عن النسق وعن الخلق.
كما أن الرجال الشرقيين مهما بلغ تعصبهم، سيقبلون بأمر وجود الراقصة وإن على مضض. هم مقتنعون بأن العري حرام لكن الراقصة المتعرية في النهاية تؤدي دورها في إشباع ناظر السيد الرجل، تؤدي دور جدتها، تعلم تماماً أن هذا هو موقعها في الحياة، تسلية السيد. والأهم أنها مختلفة اليوم عن جدتها، فهي جارية لا تفكر، منعت من التفكير وأصبحت جسداً يرقص خاليا من الروح ومن العقل. رغم أن الثقافة المتشعبة للجارية كانت من أهم شروط قبولها لدى مالكها.
وفي المقابل يرفض الشرقيون المثقفة، في ظنهم أنها تحاول سلبهم حقا يمتلكونه. تحاول مشاركتهم الأدوار، خرجت عن طور جدتها ورفضت أن تكون جارية، وترفض أن تكون زوجة مستسلمة.
بالأمس كان هناك صنفان من النساء في شرقنا، إما الجارية التي ترقص وتفقه التاريخ والسياسة وإما الزوجة المستسلمة.
أما اليوم فهناك الزوجة والمثقفة والراقصة.
المثقفة اليوم امتداد لجارية الأمس، صحيح أنها على علم واطلاع وسفور وسفر لكنها حرمت من مزاولة رقصات الماضي رغم أن رقصها اليوم سيكون لمتعتها هي لا لإمتاع رجل ما، وقد رضخت لذلك المنع لأن الجارية لا تزال تستوطن أعماقها، كما أن الراقصة امتداد لذات الجارية لكنها حرمت من التفكير ومن النقاش تماماً.
انفلقت الجارية إلى قسمين.
انفصلت الثقافة عن الرقص.
ليس للأمر علاقة برغبة المرأة أو مدى تحررها من العبودية.
كان القرار قرار رجل. لقد قرر الرجال أن تبتعد المثقفة عن حلبة الرقص، قرروا أن يشعث هندامها، أن ينكش شعرها، هكذا لن تغوي الرجال بعد اليوم. فقد أغوتهم المثقفة بالأمس، رقصت لهم. تعرت لهم. ضاجعتهم وسلبتهم فكرهم، ووجهت حكمهم، وقضت على حكامهم في بعض الأحيان.
« لا بد وأن تهمل المثقفة، لا تجعلوها أكثر من صوت يدندن، أما الراقصة فاسلبوها الفكر، ضاجعوها ولا تخافوا فأنتم تأمنون حذرها بالكامل».
واستمرت عملية التفرقة بين فلقتي الجارية حتى تحول روحها وجسدها إلى عدوين لدودين. المثقفة اليوم تتهم الراقصة بأنها خليعة وسبب دمار النساء وهلاك فكرهن المستقبلي. والراقصة تتهم المثقفة بأنها مسترجلة ولا تعرف كيف تتعامل مع الرجال.
بقيت الزوجة التي لم يتغير دورها من الأمس إلى اليوم. تربية الأطفال وتوجيه سهام الاتهامات نحو المثقفة كونها تحاول سلبها أسباب راحتها عبر دعوتها للسفور وللعمل، ونحو الراقصة لأنها تحاول سلبها زوجها.
- الأفضل للمرأة أن تختار فلقة الثقافة لا الرقص لأن أحداً لن يستمع إلى راقصة في أيامنا هذه، لن يسمح لها الرجال بتوجيه نسائهم.
- لكن قل لي لماذا تنظر للموضوع من زاوية الرجال؟ ماذا عن النساء؟
الغريب أن الرجال الذين يهاجمون الرقص ويعتبرونه عيباً وحراماً يذهبون إلى الملاهي الليلية ويسهرون متسمرين أمام الراقصات، بل وينفقون عليهن مبالغ طائلة، ألم أقل لك أهون على الرجال مشهد امرأة ترقص عن أخرى تفكر ؟
لكن مع مطلع الصباح يطلقون العنان لألسنتهم في مهاجمة الرقص والراقصات، والمطالبة بإيقاف فلانة وعلانة لأن الرقص عيب وحرام.
وحتى المستشرقين قبل مئات السنين، اعتبروا الرقص الشرقي مبتذلاً لأنه كان عيباً على المرأة الأوروبية في ذلك الوقت الوقوف وسط الرجال وتحريك الخصر فقط. ومع ذلك فقد تغنت لوحاتهم بأجساد تخيلوها لجميلات من الشرق يتمايلن على وقع الموسيقى، ويمكنك ملاحظة إيشاربات مزركشة قام خيالهم الخصب بربطها على أرداف بطلات لوحاتهم.
وبعيدا عن الابتذال الذي رآه المستشرقون في رقصات المحظيات منذ مئات السنين، فإنك ستشعر اليوم بفارق ذريع لو عقدت مقارنة سريعة بين صورة الراقصات في بدايات القرن العشرين وصورتهن اليوم.
لقد دخلت اليوم عناصر جديدة على الرقص واعتقد أنها تعكس التغييرات والانتكاسات الحضارية التي أصابت مجتمعاتنا...
كانت الراقصة تتناغم مع الموسيقى، تشمها، تتنفسها وتهدي نتاج عبقها للجمهور، كان بإمكانها تحويل المعزوفة الموسيقية الواحدة إلى مسرحية خالدة. ولو استمر نموذج سامية جمال حياً، لكان الرقص الشرقي اليوم في مصاف الرقصات الارستقراطية...
- أي الأدوار ستختارين؟
- ماذا تقصد؟
- هل ستقبلين بدور الزوجة أم الراقصة الغاوية أم المثقفة منكوشة الشعر؟
- لما لا أجمع بين ثلاثتهن دون إغواء ودون شعر منكوش؟
- مستحيل.
- لماذا؟
- تحتاجين لمئات السنين الأخرى حتى تتغير المنظومة الفكرية بأكملها، كما احتاجت الشعوب عشرات العقود لتسلب الراقصة حقها في التفكير والثقافة.
- لا بد أن أرقص لأتمكن من الكتابة، من التفكير.
- ستعيدين توحيد فلقتي الجارية؟
- شرط أن تختفي الجارية.
- قبل أن نفترق، هل تريدين أن نلتقي مرة أخرى لأشاركك التفكير.
- لا، أفضل الوصول وحيدة.

إعلامية وكاتبة سعودية




اكتب تعليقك؟


قم بتسجيل الدخول لكي تتمكن من إضافة تعليق

143 متصل الآن
بإنتظار إعادة الإتصال...